بذور الفكرة
يستهين البعض بمرور الأفكار على عقولهم، فمنهم من يلقي لها بالًا ويدونها ليعود إليها ويعمل عليها بشغف، ومنهم من يدعها تمر وكأنها لم تكن، ظنًا منهم أنها حلم يقظة لا أقل ولا أكثر!
ولكن هل تساءلت يومًا كيف ولماذا تولد الأفكار؟ وما هو التفكير الاستراتيجي؟ وكيف نشأت الابتكارات المميزة وأصبحت مشاريعًا كبرى يُشار إليها بالبنان؟
يقول العالم ألبرت أينشتاين: ”إذا لم تبدُ الفكرة مستهجنة من الوهلة الأولى، لن يصبح لها أي أمل في النجاح“.
إنّ التفكير الاستراتيجي هو سلسلة من النشاطات المعرفية غير المرئية التي تحدث في عقلك، ينتج عنه الخطط والطرق المحددة، التي تنبع من رؤية ذكية، لتحقيق هدف معين على المدى البعيد، باستخدام الوسائل المتاحة في أقصر وقت وبأقل جهد.
وتعتمد الأفكار الاستراتيجية على الابتكار والخروج عن المألوف، وتظهر فعاليتها بالمشاركة الجماعية، وتنمية روح الإلهام والتحفيز. وتتمثل مراحلها في البحث عن الفرص والتحديات التي تواجه المجتمعات، وطرح الأفكار الإبداعية الجديدة القادرة على حلّها، ثم اختبارها وتطويرها وإثبات فعاليتها، ليتم بعد ذلك تقديمها وتنفيذها على أرض الواقع.
إنّ مؤسسي "واتساب" جان كوم وبريان أكتون حين أطلقا شركتهما بناءً على هدفٍ لابتكار تطبيق سهل للتواصل عن طريق النصوص دون فوضى الإعلانات وإزعاجها. وحيث يقضي المهندسون وقتهم في إصلاح الأعطال وتحديث ميزات جديدة، لتسهيل التراسل النصي الموثوق وجعله في متناول كل فرد؛ كانت الفكرة الأولى هي الشرارة التي أشعلت طريقة التفكير هذه، وهو ما كان كافيًا ليحقق "واتساب" نموًا مذهلًا يصل إلى أكثر من مليار مستخدم! لقد عرف ما أراده عملاؤه فاستمر على نهجه وقام بتطويره لاستقطاب مستخدمين جدد.
عواملٌ مؤثرة:
تتنوع العوامل المؤثرة في تفعيل جانب الابتكار وتطويره، منها العوامل الشخصية والتي تتضمن حب الاستطلاع، ومهارة حلّ المشكلات والتفكير خارج الصندوق. والعوامل البيئية الاجتماعية والتي تبدأ بالأسرة وتنتهي بالمؤسسات الثقافية والتعليمية، وأثرها على طريقة تفكير الفرد وتحفيزه على الإبداع عن طريق التربية والتعليم والتّوجيه. والقطاعات الحكومية والخاصة ودورها في تنمية وتعزيز كفاءة الأفراد في جانب الابتكار وخلق الأفكار، من خلال تخصيص الحوافز المادية والمعنوية التشجيعية، وتوفير الأدوات والتقنيات، والاستفادة منها وتوظيفها في طرح البرامج والخطط الاستراتيجية المستقبلية.
وتأتي منصّة ”فكرة“ بتوفير صندوق مخصّص للمقترحات واستقبال الأفكار التي تساعد على تطوير الخدمات في مختلف الجهات حتى يتم تطبيقها والاستفادة منها بما يخدم المجتمع والوطن، وتفعيل الابتكار والتفكير الاستراتيجي.

إنّ روح المبادرة الدائمة في بحث الفرد عمّا يُسهم في تطوّره ونهضته وبناء مستقبل وطنه تجعله في حالة تقدم فكري وإنتاجي متواصل.


كيف تنضج الفكرة؟
نرى جميعًا في الوقت الراهن العديد من الأفكار المبتكرة، والتي تتحول بطريقة مدهشة إلى شركات ناشئة تخلق قيمة مُضافة وتتسارع في النمو والانتشار بسرعة الضوء!
هنا قد يتبادر لنا جميعًا سؤال، كيف يتأكد صاحب الفكرة بأن مساره في بناء الفكرة يسير بشكلٍ صحيح؟
تمرّ الكثير من المشاريع بخطوات عملية تمكّن من سيرها بشكل صحيح للوصول للمرحلة النهائية لإطلاقها، وتتأثر أساليب بناء المشاريع بتغير حجم المستهدف، وتختلف الآليات في صناعة منتج من الصفر مقارنةً بتوريد منتج من الخارج؛ كل التساؤلات والتوقعات ترتبط بنوع المشروع وماذا يقدّم.
أبرز الخطوات التي تسهم في تفعيل الفكرة:
- كوّن فريق العمل الذي سينقل مشروعك من الورق إلى الواقع، وحدد المهام والأدوار، ومبدأ الشراكة والمقابل، واحرص على تكامل الفريق والذي سيسهم في نجاح العمل، حيث يقول غازي القصيبي -رحمه الله-: "ابحث عن شريك فعلي يتحمل المهام معك، حتى تجد الوقت الكافي للتأمل والتخطيط والمستقبل“.
- دوّن أهداف المشروع لفترة كافية، واحرص على الأهداف قصيرة المدة، والتي تساعد بشكل كبير على قياس النجاح تزامنًا مع التغييرات والتطورات الحديثة.
- قارن مشروعك بمنافسيك للتأكد من خلق قيمة مضافة تضمن مواكبة المشروع للسوق وانطلاقه بشكل متكامل.
- دوّن المتطلبات التقنية لتفعيل الفكرة، إذا كانت تعتمد على تطبيق ذكي، أو موقع إلكتروني، وابحث عن الشريك المتخصص لتنفيذه.
- اكتب خطة ونموذج عمل متكامل تساعدك على تقليل معدل الأخطاء، وتبني لك صورة نهائية مبسطة غير تفصيلية.
- اُكتب دراسة جدوى متكاملة تبني لها فكرتك بشكل مفصّل، وتحدد حجم الجهد المالي والزمني والذهني لتفعيلها.
- دون معلومات حاضنات ومسرّعات الأعمال وقم بحصر الجهات التي تحقق لك متطلباتك.

إحصائياتٌ وأرقام:
كشف برنامج "بادر" لحاضنات ومسرعات التقنية، أحد برامج مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، عن نجاح الشركات الناشئة لدى البرنامج بقيمة وصلت إلى أكثر من 110 ملايين ريال وذلك عبر 63 جولة وصفقة استثمارية، حيث شهد عام 2018 نموًا في عدد الشركات والأفكار الناشئة، والتي بدورها أسهمت في خلق نحو 2053 وظيفة للشباب السعودي.

اسعَ للتطوير المستمر في أهدافك وخططك، وضَع في حسبانك أنّ كل خطوة ستكلفك الكثير من الجهد والمحاولات، لكن اعتبر هذا الجهد استثمارًا وخبرة، وليس مجرد تكلفة!

 

5 مفاتيح لتطلق فكرتك إلى أرض الواقع
دائمًا ما تكون البدايات لصناعة الفكرة، هي حل مشكلة معيّنة، أو تطوير مُنتج قائم، أو تلبية حاجة ملحّة في السوق، لكن يقع العبء الأكبر على الفرد، أن يحوّل فكرته ويترجمها لحلّ إبداعي وينطلق بها نحو الواقع.
وهناك دائمًا عدة حلول ذكية، يمكن أن تأخذ بك نحو تحويل فكرتك لواقعٍ حقيقي:
- ابنِ القوّة لفكرتك:
أولى الخطوات لمشروع ناجح هي فكرة قويّة تخلق قيمة مضافة.
ابن خطة مبدئية للفكرة، وتحقق من مدى نجاحها وإمكانياتها وكيفية تحقيقها وسيرها في السوق، وضَع تصورًا لمدى تقبّل الفئات المستهدفة لفكرتك.
وقد أشارت دراسة للمنتدى الاقتصادي العالمي صدرت في عام 2016 إلى أن التفكير النقدي من أكثر المهارات التي يحتاجها المجتمع وسوق العمل مع حلول عام 2020 لمواكبة موجة التطور التقني وبناء الأفكار الإبداعية.

- اطّلع على جديد السوق:
توازي المشروع مع متطلبات السوق، وحجم المنافسين ورغبات العملاء يساعدك في تحديد سير فكرتك وقابليتها للتطبيق. تأكد دائمًا من قوة مشروعك، ومدى إمكانية نجاحه مقارنةً بالمنافسين.

- استفد من الأفكار والتحديات المفتوحة:
لعل أبرز ما يفتح المجال للفرد في ابتكار الحلول هو العصف الذهني، أو الأفكار المفتوحة والمشاركة، وهنا يأتي دور منصة "فكرة" والتي تقوم على مبدأ التفكير الجمعي، وتهدف لإيجاد الأفكار والحلول، واحتضان الأفكار الريادية وتطويرها.

- استعن بالخبراء والمختصين:
ريادة الأعمال بمفهومها الحقيقي، تتطلّب الكثير من الجهد والوقت والإمكانيات لتبنّيها، لهذا أُنشئت حاضنات ومسرّعات الأعمال لتمكين الابتكارات، وتذليل الصعوبات، وتقديم الدعم، من خلال تقديم الجلسات الاستشارية والورش المتخصصة وتقييم المشاريع. ومن أمثلتها برنامج حاضنة الأعمال ”واعد“ التابع لأرامكو السعودية، والذي تم إنشاؤه عام 2011 لتعزيز ودعم ريادة الأعمال في المملكة، حيث يركز على دعم الأفكار وتأسيس المنشآت من خلال برامج مالية متنوعة جنبًا إلى جنب مع التوجيهات والأدوات الضرورية لتطوير رواد الأعمال وشركاتهم.

- طور أفكارك باستمرار:
عدم إطلاق فكرتك لا يعني فشلها، فقد تتطلب الأفكار التطوير والتغيير حتى تتلاءم مع حجم السوق والمنافسين ومتطلبات الفئات المستهدفة والتحديات التي تواجهها، لذا يقول هنري فورد بأنّ "العوائق هي تلك الأشياء المرعبة التي تراها حين تصرف النظر عن هدفك“.

الفرص لا تأتي دائمًا، والوقت الأفضل للبدء بالخطوة التالية، هو الآن!


المراجع:
- موقع مقال كلاود
- مجلة هارفارد بزنس ريفيو
- منصة فكرة
- صحيفة مال الاقتصادية
- صحيفة الاقتصادية
- شركة ثمانية للنشر
- وزارة المالية الإماراتية
- صحيفة مكة
- صحيفة الخليج

تم التسجيل كـ: تسجيل خروج