تُخلق الثورات الصناعية بظهور تقنيات جديدة، وطرق سبَّاقة للابتكار الصناعي؛ فتتيح لنا رؤية العالم من حولنا بممارسة تعاملات مختلفة، مما يقود إلى تغيير عميق في البعدين الاقتصادي والاجتماعي، حيث تتمركز نقطة التحول الرئيسة في تاريخ البشرية. 

حينما اختُرعت الآلة البخارية في منتصف القرن الـ 18، هبَّ العالم في سباق نحو الصناعة والابتكار، وأدخلت الماء والبخار كعنصرين لميكنة الإنتاج، فبدأت تظهر تصميمات بدائية لها على يد مخترعين مثل "توماس سافوري"، بيد أن التحسين الذي أدخله "جيمس وات" هو ما جعلها تصل لدرجة من الكفاءة؛ حيث باتت أساس الثورة الصناعية الأولى وهي فجر عصر التصنيع والقوة البخارية، ولولاها ما تحققت الثورة الصناعية الرابعة. 

هذا الانطلاق القوي سرَّع معه وتيرة ازدهار صناعة النسيج والصلب واستخراج الفحم الحجري، وتوسعت معه شبكات المواصلات، وظهرت الجسور الحديثة. 

لقد تغيرت الحياة آنذاك تغيرًا جذريًا؛ إذ أدت الثورة الصناعية الأولى إلى ميكنة الزراعة والصناعة، ولو بشكل بدائي، وكانت انعكاساتها على النظام الاقتصادي الدولي هائلة، حيث رفعت الإنتاجية، وأدخلت مفهوم استخدام الطاقة في الحياة؛ فطوَّرت نظم الإنتاج، ووضعت أساسيات نظام المصانع بدلًا من الورش الصغيرة. 

 

وفي منتصف القرن 19 تجلَّت الثورة الصناعية الثانية، حيث سعت في إدخال الآلات إلى سبل الإنتاج، فتوسَّطت الآلة بين العامل والعمل، حينها تزايدت الأعمال المنجزة بمساعدة الآلات. 

وقد حرصت هذه الثورة باختراع وتطوير صناعة الصلب، واختراع الموتورات المبنية على فكرة "الاحتراق الداخلي"، واختراع الدينامو، والتطورات العظيمة في المجال الكهرومغناطيسي والكهرباء، فدخل العالم عصر الميكنة دخولًا موسَّعًا للغاية، خصوصًا بعد اكتشاف الخلايا الضوئية، وهو ما سهَّل عملية الإنتاج. كما أنتجت بما يعرف الشركات المساهمة التي تتحكم في أسعار المنتجات، حيث غيَّرت النظام الاقتصادي المستمر حتى يومنا هذا. 

بعد ذلك، تجسدت الثورة الصناعية الثالثة في النصف الثاني من القرن الـ 20، وأحدثت تحولًا نوعيًا في عملية الإنتاج من خلال إدخال الأتمتة؛ أي إدارة الآلات ذاتيًا عن طريق التحكُّم الآلي؛ وقد نتج عن الأتمتة نتائج جوهرية، من أبرزها ضبط نوعية عملية الإنتاج، وضبط تيار المعلومات. ومنذ ذلك، بدأ تطور فنون تقنية جديدة لاستخدام الآلات، حيث لا تتطلَّب تدخل العامل باستمرار، بل تُدار عن طريق التوجيه الإلكتروني المنظَّم مسبقًا بحسب المعطيات، والمتعلق بالعمليات المطلوب تنفيذها. 

 

كما ظهر ابتكار صناعي يُعرف بصناعات المقدرة العقلية، كالاتصالات، والكمبيوترات، وأجهزة الإنسان الآلي (الروبوت)، والإلكترونيات الدقيقة، وصناعة المواد الجديدة، وتقنية الطاقة النووية. كما قادت هذه الثورة إلى انتشار التقنية سريعًا في جميع أنحاء العالم، إذ بات العنصر الأساسي للنمو الاقتصادي يعتمد على المعرفة والتقنية. 

وفي القرن الـ 21، يخوض العالم الآن مخاض الثورة الصناعية الرابعة، حيث تستهل بداية عصر جديد في الصناعة والابتكار، والذي تشكِّله طابعات ثلاثية الأبعاد، ويقوده ذكاء اصطناعي، وروبوتات ذكية، وسيارات ذاتية القيادة، وبعثات فضاء لا تنتهي. 

 

إن التقنيات الرقمية والأنظمة الذكية تُميِّزان هذه الثورة، وتسرِّعان من وتيرتها بخلاف ما سبقها. كما يرتبط مفهومها بأتمتة الصناعة، والتقليل من عدد الأيدي العاملة، بحيث يقتصر الدور البشري في الصناعة على المراقبة والتدقيق. 

وتشهد هذه الثورة أنواعًا متقدمة من الذكاء الاصطناعي، والتحكُّم في الجينات، وقراءة الإشارات التي يصدرها العقل. 

لقد جعلت هذه الثورات الصناعية الابتكار الصناعي محور عجلة التقدم للتقنية والعلم، من خلال خلق التطورات التقنية السريعة والمتواصلة، وتحقيق النمو الاقتصادي والقدرة التنافسية في السوق العالمية؛ الأمر الذي أصبح به الازدهار التقني هو معيار مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي في أي دولة من دول العالم.

 

 

المراجع: 

- World economic forum 
- كتاب The fourth industrial revolution 
- Algerian scientific 
- Britanncia  

تم التسجيل كـ: تسجيل خروج